محمد سعيد رمضان البوطي

47

فقه السيرة ( البوطي )

روى البخاري ومسلم أن عليا رضي اللّه عنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد » « 1 » . وروى البخاري ومسلم أيضا عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : ما غرت على نساء النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلا على خديجة ، وإني لم أدركها ، قالت : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا ذبح الشاة فيقول : « أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة » قالت : فأغضبته يوما فقلت : خديجة ! . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إني قد رزقت حبّها » « 2 » . وروى أحمد والطبراني من طريق مسروق عن عائشة قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها ، فذكرها يوما من الأيام ، فأخذتني الغيرة فقلت : هل كانت إلا عجوزا قد أبدلك اللّه خيرا منها ؟ . فغضب ثم قال : « لا واللّه ما أبدلني اللّه خيرا منها : آمنت إذ كفر الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني اللّه منها الولد دون غيرها من النساء » . وأما قصة زواجه صلى اللّه عليه وسلم منها ، فإن أول ما يدركه الإنسان من هذا الزواج هو عدم اهتمام الرسول صلى اللّه عليه وسلم بأسباب المتعة الجسدية ومكملاتها ، فلو كان مهتما بذلك كبقية أقرانه من الشباب لطمع بمن هي أقل منه سنا أو بمن ليست أكبر منه على أقل تقدير ، ويتجلى لنا أنه صلى اللّه عليه وسلم إنما رغب فيها لشرفها ونبلها بين جماعتها وقومها حتى إنها كانت تلقب في الجاهلية بالعفيفة الطاهرة . ولقد ظل هذا الزواج قائما حتى توفيت خديجة عن خمسة وستين عاما ، وقد ناهز النبي عليه الصلاة والسلام الخمسين من العمر ، دون أن يفكر خلالها بالزواج بأي امرأة أو فتاة أخرى ، وما بين العشرين والخمسين من عمر الإنسان هو الزمن الذي تتحرك فيه رغبة الاستزادة من النساء والميل إلى تعدد الزوجات للدوافع الشهوانية . ولكن محمدا صلى اللّه عليه وسلم تجاوز هذه الفترة من العمر دون أن يفكر كما قلنا بأن يضم إلى خديجة مثلها من الإناث : زوجة أو أمة ، ولو شاء لوجد الزوجة والكثير من الإماء ، دون أن يخرق بذلك عرفا أو يخرج على مألوف أو عرف بين الناس ، هذا على الرغم من أنه تزوج خديجة وهي أيم ، وكانت تكبره بما يقارب مثل عمره .

--> ( 1 ) الضمير في نسائها عائد - كما تدل رواية مسلم - إلى السماء بالنسبة لمريم وإلى الأرض بالنسبة لخديجة . وقال الطيبي : الضمير الأول راجع إلى الأمة التي كانت فيها مريم ، والثاني إلى هذه الأمة ، وانظر فتح الباري : 7 / 91 . ( 2 ) متفق عليه واللفظ لمسلم .